ابن الجوزي

82

صفة الصفوة

ثم نزل فدخل فأمر بالستور فهتكت والثياب التي كانت تبسط للخلفاء فحملت وأمر ببيعها وإدخال أثمانها في بيت مال المسلمين ، ثم ذهب يتبوأ مقيلا فأتاه ابنه عبد الملك فقال : يا أمير المؤمنين ما ذا تريد أن تصنع ؟ قال : أي بنيّ أقيل . قال : تقيل ولا تردّ المظالم ، ؟ قال : أي بني إني قد سهرت البارحة في أمر عمّك سليمان فإذا صلّيت الظهر رددت المظالم . قال : يا أمير المؤمنين من لك أن تعيش إلى الظهر ؟ قال : ادن مني أي بني ، فدنا منه فالتزمه وقبل بين عينيه وقال : الحمد للّه الذي أخرج من صلبي من يعينني على ديني . فخرج ولم يقل وأمر مناديه أن ينادي : ألا من كانت له مظلمة فليرفعها . فقام إليه رجل ذمّي من أهل حمص أبيض الرأس واللحية فقال : يا أمير المؤمنين أسألك كتاب اللّه . قال وما ذاك ؟ قال : العباس بن الوليد بن عبد الملك اغتصبني أرضي ، والعباس جالس ، فقال له : يا عباس ما تقول ؟ قال : أقطعنيها أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك وكتب لي بها سجلا ، فقال عمر : ما تقول يا ذمي ؟ قال : يا أمير المؤمنين أسألك كتاب اللّه عزّ وجل . فقال عمر : كتاب اللّه أحق أن يتبع من كتاب الوليد بن عبد الملك . قم فاردد عليه يا عباس ضيعته . فرد عليه فجعل لا يدع شيئا مما كان في يده وفي يد أهل بيته من المظالم إلّا ردّها مظلمة مظلمة . فلما بلغت الخوارج سيرة عمر وما ردّ من المظالم اجتمعوا فقالوا : ما ينبغي لنا أن نقاتل هذا الرجل . فبلغ ذلك عمر بن الوليد بن عبد الملك فكتب إليه : إنك قد أزريت على من كان قبلك من الخلفاء وعبت عليهم وسرت بغير سيرتهم بغضا لهم وشنئا لمن بعدهم من أولادهم ، قطعت ما أمر اللّه به أن يوصل إذ عمدت إلى أموال قريش ومواريثهم فأدخلتها في بيت المال جورا وعدوانا ، ولن تترك على هذا . فلما قرأ كتابه كتب إليه : بسم اللّه الرحمن الرحيم - من عبد اللّه عمر أمير المؤمنين إلى عمر بن الوليد . السلام على المرسلين والحمد للّه رب العالمين . أما بعد : فإنه بلغني كتابك وسأجيبك بنحو منه : أما أول شأنك ابن الوليد كما زعم فأمك « بنانة » أمة السكون كانت تطوف في سوق حمص وتدخل وتدور في حوانيتها ثم اللّه أعلم بها اشتراها ذبيان من فيء المسلمين فأهداها لأبيك فحملت بك فبئس المحمول وبئس